صديق الحسيني القنوجي البخاري

554

فتح البيان في مقاصد القرآن

وجل حتى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة ويأخذ حجارتها فيبني بها بيتا في اليمن يحج الناس إليه فأهلكه اللّه عز وجل ، فذكرهم نعمته ؛ أي فعل ذلك لإيلاف قريش أي ليألفوا الخروج ولا يجترىء عليهم ؛ وذكر هذا ابن قتيبة . قال الزجاج : والمعنى فجعلهم كعصف مأكول لايلاف قريش ، أي أهلك اللّه أصحاب الفيل لتبقى قريش وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف ولهذا جعل أبيّ بن كعب هذه السورة الفيل واحدة ولم يفصل بينهما في مصحفه بالبسملة . والذي عليه الجمهور من الصحابة وغيرهم وهو المستفيض المشهور أن هذه السورة منفصلة عن سورة الفيل وأنه لا تعلق بينهما . وقال في الكشاف أن اللام متعلقة بقوله : فَلْيَعْبُدُوا أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلاف الرحلتين ، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط لأن المعنى إما لا فليعبدوه . وقد تقدم صاحب الكشاف إلى هذا القول الخليل بن أحمد ؛ والمعنى أن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الجليلة ، وقال الكسائي والأخفش : اللام لام العجب أي اعجبوا لايلاف قريش وقيل هي بمعنى إلى وقرىء لإلف وقرىء ليألف بفتح اللام على أنها لام الأمر ، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود وفتح لام الأمر لغة معروفة . قال سليمان الجمل قرأ ابن عامر لإلاف قريش دون ياء قبل اللام الثانية والباقون لإيلاف بياء قبلها ، وأجمع الكل على إثبات الياء في الثاني وهو إيلافهم . ومن غريب ما اتفق في هذين الحرفين أن القراء اختلفوا في سقوط الياء وثبوتها في الأول مع اتفاق المصاحف على اثباتها خطا واتفقوا على إثبات الياء في الثاني مع اتفاق المصاحف على سقوطها منه خطا فهو أدل دليل على أن القراء متبعون الأثر والرواية لا مجرد الخط انتهى . وقريش هم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر ، فكل من كان من ولد النضر فهو قرشي ومن لم يلد النضر فليس بقرشي ، وقريش يأتي منصرفا إن أريد به الحي ، وغير منصرف إن أريد به القبيلة ، وقيل إن قريشا بنو فهر بن مالك بن النضر والأول أصح . وقوله : إِيلافِهِمْ تأكيد لفظي ولذلك اتصل بضمير ما أضيف إليه الأول وقيل هو بدل لأنه أطلق المبدل منه وقيد البدل بالمفعول وهو قوله : رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ لما فيه من الابهام في المبدل منه ثم التبيين في البدل ، وإنما أفرد الرحلة ولم يقل رحلتي الشتاء لأمن الإلباس ، وقيل إن رحلة منصوبة بمصدر مقدر أي ارتحالهم رحلة الشتاء والصيف وقيل منصوبة على الظرفية والرحلة الارتحال ، وكان إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء لأنها بلاد حارة ، والرحلة الأخرى إلى